"أليباب"

الخريف فصل خسيس

يدفن السوسن في حضن أوراق الشجر

يدفن الشرايين أسفل بلور المطر

ثم يرحل الى قدر عاجز.

ليل خريف يتكسر بالبرودة فوق المدن النائمة كانت البوم تنعق والغربان تحلق جماعات باجنحة سوداء، ضجيجها يعلو في قيعان السهول متصاعدا في طبقات السماوات وصولا لقمم الجبال وحتى السواحل الغارقة في غفوتها.

تطيرت الجدات ورجفت قلوبهن فيما كان الاحفاد يلهون غير مدركين

أي تلك الكهوف التي أخفت بجوفها هذا الكم الهائل من البوم وجعلتها لاتُرى ، لتخرج كنذير في هذا الليل الأسود .

ضاعت زقزقة العصافير وتغريد الشوادي كأن لم تكن مصاحبة للشروق ورفيقة لغروب سلس ينساب حافظا في تلافيفه لحكايا العشق وترنيمات الغزل .كأن لم يكن ذلك الشدو هو بشارات لأعراس الخلان أو لصرخة يطلقها صغير ببشارة المقدم المفرح.

جبل الانسان على ان يتكلل بالفرح ويتلازم معه بينما الحزن رفيق طريق قصير ينساه في نهاياته ،لكن في تلك العشية غاب كل شي وانقبضت القلوب وادركت الجدات بحكمتهن الدهرية ان ذلك النعيق قادم يدق نواقيس المآتم بالفناء لكارثة او لوباء عام يحصد الأرواح المسقية بالحياة لتجف في ريعانها وتقطف براعمها قبل ان تنشر عبيرها.

كانت تلك الكائنات تتسلل ساخرة من عبق بخور "الجاوي "في سماء الازقة والذي به يحاولن الجدات ابعاد الشر المستطير من ان يقترب من الأبناء والأحفاد او يمس بالفناء الأمهات في مسطبات النفاس .فيفنى النسل وتصمت معه أصوات المواليد ساعة قدومهم ولا يتبقى غير اليباب.

كانت الجدات يمارسن طقوسهن بصمت اخفين احاسيسهن فكل مرة يظهرنها يواجهن بإجابات الصغار الذين لايفقهون حتى ماهي الحياة.

ماتقولينه ياجدة تخاريف من زمن قديم

ماتقولينه ياجدة حمله معهم الجدود في أذهانهم ورحلوا.

هذا مايمكن ان يقال ويصدق اليوم مشيرين لجهاز التلفاز "المرئي" أو إلى محمولاتهم الخلوية والتي لاتفارق أيديهم بل لاتفارقهم حتى في نومهم يلمع ضوئها ساعات بداية الشفق كأن الشمس ستشرق منها، او ان العالم محصور بداخلها ولا يتحرك إلا من خلالها.

هذه المرة صدقت توقعات الجدات واقتحمت كائنات غريبة ساحات المدن بسحنات مغبرة وأيدٍ كأن الزمن تحجر بين أناملها.

كانت عيونهم تبعث شرر يحرق. لم تستثن طفولة غضة أو شيخوخة ساكنة إلى نهاياتها بتوق لنعيم ابدي.

هذه المرة كانت حكمة الزمن هي من تحدث، لم تستطع كل أجهزة الاحفاد الآلية الحديثة ان تخفي الخبر عن عيون الجدات او تكممه في افواههن، فما قلنه ليس تطير زمن تقادم بل حقائق رأينها ولامسها لأحفاد بحواسهم، تحذيرات واقعة من جارف اتٍ ليقف سدا بينهم وبين بشائر قادم أيامهم.

لاشيء قادر ان ينفي تحذير الجدات في تعالي ذلك النعيق الذي كان يقطع صلواتهن وينسيهن توجه بوصلة ابتهالاتهن والذي لإيهمد حتى لو ركعن لصلواتهن بخشوع أكثر وباغراق أشد. لم تفد كل الحروز التي علقنها في زوايا المنازل او في رقاب الأحفاد

كانت البوم تواصل نعيقها والجدات لايجدن غير إبتهالاتهن علّ الله يمنع بقدرته ماهو قادم من وقع،لكن ابتهالاتهن لم تمنع المحذورات.

تفجرت الكارثة وانتشرت تلك الكائنات يصاحبها نعيق بوم الكهوف وغربان الصحاري.

انفصلت السواحل عن صخب الجزر وغاصت بهدير موحش ساحبة زرقتها الازوردية الى أمد سحيق غائر،غاصت الكائنات في غور اليباس ولم يبق هناك حياة للمياه.

أنطفأ النور من كل الكون حتى نجمات البحار المضيئة غاصت في غور سحيق كما غابت نجمات السماء اللامعة في البعيد المجهول.

انه الزاحف الجارف لكائنات الدنيا الحية وارواح النبت المورقة بالأمال المخضرة، لاشيء بقي غير حيرة في عيون من بقي من الأحفاد وسؤال قائم :

ما الذي يحدث ؟؟.......